القرطبي

142

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وخرّج أبو نعيم الحافظ ، عن زاذان قال : سمعت كعب الأحبار يقول : إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فنزلت الملائكة فصاروا صفوفا ، فيقول اللّه لجبريل : ائت بجهنم ، فيجيء بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ، ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه ، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله ، حتى إن إبراهيم الخليل يقول : بخلّتي لا أسألك إلا نفسي ، ويقول موسى : بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي ، ويقول عيسى : بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي ، لا أسألك مريم التي ولدتني ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم يقول : أمتي أمتي ، لا أسألك اليوم نفسي ، إنما أسألك أمتي . قال فيجيبه الجليل جلّ جلاله : إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؛ فو عزّتي وجلالي لأقرنّ عينك في أمتك . ثم يقف الملائكة بين يدي اللّه تعالى ينتظرون ما يؤمرون به . فيقول لهم تعالى وتقدس : معاشر الزبانية ؛ انطلقوا بالمصرّين من أهل الكبائر من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى النار ، فقد اشتدّ غضبي عليهم بتهاونهم بأمري في دار الدنيا ، واستخفافهم بحقي وانتهاكهم حرمي ، يستخفون من الناس ويبارزونني مع كرامتي لهم وتفضيلي إياهم على الأمم ، ولم يعرفوا فضلي وعظيم نعمتي ؛ تأخذ الزبانية بلحى الرجال وذوائب النساء فينطلق بهم إلى النار ، وما من عبد يساق إلى النار ؛ من غير هذه الأمة ، إلا مسود وجهه ، قد وضعت الأنكال في رجليه والأغلال في عنقه ، إلا من كان من هذه الأمة ، فإنهم يساقون بألوانهم ؛ فإذا وردوا على مالك قال لهم : معاشر الأشقياء ، من أي أمة أنتم ؟ فما ورد عليّ أحسن وجوها منكم ! فيقولون : يا مالك ، نحن من أمة القرآن ، فيقول لهم : يا معشر الأشقياء ، أوليس القرآن أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء ، فيقولون : وا محمداه ! وا محمداه ! اشفع لمن أمر به إلى النار من أمتك . قال : فينادي مالك بتهدد وانتهار : يا مالك ؛ من أمرك بمعاتبة أهل الشقاء ومحادثتهم والتوقف عن إدخالهم العذاب ؟ يا مالك ، لا تسود وجوههم فقد كانوا يسجدون لي في دار الدنيا . يا مالك : لا تغلهم بالأغلال ، فقد كانوا يغتسلون من الجنابة . يا مالك ، لا تعذبهم بالأنكال ، فقد طافوا بيتي الحرام . يا مالك ؛ لا تلبسهم القطران ، فقد خلعوا ثيابهم للإحرام . يا مالك ، مر النار لا تحرق ألسنتهم ، فقد كانوا يقرءون القرآن . يا مالك ، قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم ، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من الوالدة بولدها . فمنهم من تأخذه النار إلى